السيد عباس علي الموسوي
51
شرح نهج البلاغة
وسطوتهم أفسدوا حيثما يستطيعون وسلبوا أمن الناس عندما يقدرون . الصفة الخامسة أن يكون الجندي من أهل السخاء والسماحة . وهذه الصفة يطلبها الإسلام من جميع أتباعه ولكنها تتأكد في الجندي لأنه يتمتع بصلاحية أكثر من غيره من عامة الناس فإن الصفح والسماح يتأكدان في الجندي إذا كان لهما طريق من الشرع لأن المخالفة كثيرا ما يضبطها بنفسه أو تقع تحت يده باعتباره المولج بحفظ الأمن والاستقرار . ثم وجهه الإمام إلى أن يلتصق بأهل البيوتات ويتصل بهم ويغدق عليهم من كرمه ومعروفه وكذلك أهل الأحساب والسوابق الحسنة فإن كرم الأحساب يدفع بكثير من الناس إلى مراعاة أحسابهم والمحافظة عليها فقد قيل : « عليكم بذوي الأحساب فإن هم لم يتكرموا استحيوا » ونحن قد أدركنا هذا ولمسناه بأيدينا فإن بعض البيوتات المحافظة تتجنب كثيرا من الشذوذات لأجل أحسابها لا لأجل دينها . . . وأما أهل السوابق الحسنة فإن سوابقهم ترشد إلى صلاحهم وتجعل عند الوالي ظنا حسنا بأنهم على طريقتهم وصلاحهم سيستمرون . . . ( ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من وليدهما ، ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به ، ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قل ، فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك ، وحسن الظن بك . ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها ، فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به ، وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه . وليكن آثر رؤوس جندك عندك من وأساهم في معونته ، وأفضل عليهم من جدته ، بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم ، حتى يكون همّهم همّا واحدا في جهاد العدو ، فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك ) بعد ذكر المواصفات التي يجب أن تتوفر في الجندي جاء دور التوصيات به ، الأوامر هنا صدرت إلى الولاة كي يهتموا بالجندي ويعطفوا عليه ويبحثوا عما يوفر له توحيد الهدف في حرب العدو فلا تأخذ المسالك المتعددة والهموم المختلفة بعض توجهاته واهتماماته بل يجب أن يتوجه إلى العدو وهو مطمئن إلى القيادة مرتاح إلى سعادة أهله من خلفه . . . إنها جملة توصيات وأوامر تلقي الأضواء على مدى اهتمام الإسلام بالجندي المسلم ، إنها توصيات ودّ ورحمة وتعاطف وإخاء ، توصية القيادة الرشيدة التي يجب أن يسمع قولها فيطاع وتطلب أمرا فتجاب . . .